مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رمضان......
بسم الله الرحمن الرحيم
في كل هلال يتجدد يستشعر المؤمن حلاوة الإيمان، تلفحه نار الشوق إلى مطالعة
هلال رمضان الأغر، فإذا جاء رمضان زفت البشائر، واستبشرت القلوب، وخشعت الأصوات، وترقرقت العين بالدمع فرحًا بقدومه وصدق القائل:
جاء الصيام فجاء الخير أجمعه ترتيل ذكرٍ وتحميد وتسبيح
في هذا الشهر الكريم يتأسى المؤمن بالمصطفى صلى الله عليه وسلم فهو خير معلم وهاد، وفي هذه السطور نترسم خطا المصطفى صلى الله عليه وسلم لننهل من معينه الصافي، ولنرشف من رحيقه الطاهر ما كان يفعله في رمضان.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلن حالة التأهب القصوى قبل رمضان وذلك بصيامه أكثر شعبان وكأنه يريد أن يقدم نافلة قبل الفريضة لتتهيأ نفسه لرمضان, وهكذا سن لنا نوافل نؤديها قبل الفرائض لتستعد القلوب والأبدان للقاء الله في فريضته التي افترضها، ولقد حدث أسامة بن زيد أنه: 'كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى يقال: لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت: يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد تفطر إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال صلى الله عليه وسلم: أي يومين؟' قال: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال صلى الله عليه وسلم: 'ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على الله رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم'. قال: قلت: ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان! فقال صلى الله عليه وسلم: 'ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم' فانظر إلى حسن تقدمة رسول الله لصيام رمضان!!
شحذ الهمم
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يهيئ أصحابه لشهر رمضان: فكانت له خطبة في أول رمضان يشحذ فيها الهمم، روي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومًا وقد حضر رمضان: 'أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله'.
إفطار الصائم
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يرغب أصحابه في تفطير الصائم، وفي ذلك دعوة إلى التراحم والتكافل والتكامل, فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من فطر صائمًا على طعام وشراب من حلال صلت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلى عليه جبريل ليلة القدر ورزق دموعًا ورقَّة، قال سلمان: إن كان لا يقدر على قوته؟ قال: على كسرة خبز، أو مزقة لبن أو شربة ماء كان له ذلك'.
وعن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا يُنقص من أجره شيئًا'.
الثمرات العجيبة
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يفطر قبل أن يصلي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو على شربة ماء.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها فإن لم يجدها فعلى حسيات من ماء، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ شهر رمضان ترويضًا وتربية للنفس، لا كما نفعله نحن أن نثقل أنفسنا بالملذات من مآكل ومشارب، فكان من قوله صلى الله عليه وسلم: 'ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه. بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه, فإن كان لا محالة فاعلاً فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه'.
ومع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أن كل دساتير الطب تؤيد ذلك من لدن الحارث بن كلدة وحتى قيام الساعة. يقول الحارث بن كلدة طبيب العرب: 'الذي قتل البقية, وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام'.
وقال ابن أبي ماسويه: عندما قرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم السابق:
'لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت دكاكين الصيادلة'.
ويقول لقمان الحكيم يعظ ولده: 'يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة'.
قال الإمام الشافعي 'رضي الله عنه':
ثلاث هن مهلكة الأنام
دوام مدامة ودوام وطء
وداعية السليم إلى السقام
وإدخال الطعام على الطعام
فيا الله! ما أجمل قول النبي وما أبلغ بيانه صلى الله عليه وسلم!!
في إحصائية لعيادات الأمراض تبين أن أكثرها ـ بعد الجراحة والعظام وأمراض النساء والولادة عيادات الأمراض الباطنية والقلب, فهي تأتي في مقدمة العيادات المزدحمة ليلاً ونهارًا، ثم إن شركات الأدوية توضح أن أكثر أنواع الأدوية إنتاجًا هي تلك التي تخص الجهاز الهضمي أو الأمراض الباطنية، بحيث تمثل ثلث إجمالي الإنتاج وكذلك للصيدليات وشركات التوزيع وليس لذلك تفسير واحد إلا: 'ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه', ولقد جمع الله عز وجل الطب في نصف آية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31].
ولِمَ الرطب أو التمر أو اللبن أو الماء في إفطار رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يجيب أهل الطب بما يكشف الإعجاز النبوي. حقًا لقد اندهش البروفيسور الألماني 'كلكار' من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يفطر بالتمر ثم بقليل من اللبن حيث قال: إن هناك مشكلة عالمية تبرز في عادات الطعام المعاصرة, وهي ضرورة أن يتناول الإنسان ألوان الطعام المتبادلة على فترات متباعدة، فلا يصح أن يأكل الإنسان اللحم مع الخبز أو الأرز لأن النشويات تمتص بواسطة المعدة, فإذا ما اختلطت النشويات مع البروتينات في المعدة يعني ذلك أن يتأخر هضم النشويات التي تنتج الفورمالين أثناء وجودها في المعدة مما يسبب على المدى البعيد التسمم الكحولي.
إذن الرطب يتلقاه الكبد بسرعة فينشط الجسم وتصل الفائدة إلى المخ.
أما التمر فيحتوي على أكثر العناصر التي يحتاجها الجسم, ثم إنها سهلة الهضم, فضلاً عن أن التمر يحتوي على نسبة عالية من المواد التي تعمل على بناء خلايا الجسم وإصلاح التالف منها، كما أن التمر يكون أجسامًا مضادة للميكروبات، وقد تبين في الدراسات أن الأفراد الذين اعتادوا كثيرًا على تناول التمر بأنواعه تقل لديهم نسبة الإصابة بالأورام سواء أكانت حميدة أم خبيثة، وقد أثبتت البحوث أن ميكروبات 'الكوليرا' لا تعيش في التمر أكثر من ثلاثة أيام, وهذا يؤكد أن التمر يحتوي على مضادات للميكروبات.
أما اللبن فإن القيمة الغذائية له لا ترجع إلى ما فيه من عناصر وإنما ترجع إلى توازن نسبها في اللبن, فهذه العناصر منها ما يقتل البكتيريا الضارة بالأمعاء إضافة إلى أنه يمثل أكبر عامل لبناء عظام الإنسان، خاصة الصغار، وأكد باحثون أن اللبن له فائدة كبيرة في قتل البكتيريا الضارة أكثر من المضادات الحيوية.
وصدق الله عز وجل إذ يقول: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3ـ4].
الدعاء عند الفطور
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يدعو عند فطره بالدعاء المأثور عنه: 'ذهب الظمأ، وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى'.
وهذا استصحابًا لذكر الله في كل لحظة, فذكر الله أكبر، والله جليس لكل من ذكره.
بركة السحور
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه يتسحر ويمدح ويأمر بتأخيره، وقد يتسحر مع أصحابه أحيانًا. روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.
وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال: 'إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه'، وكان يدعوهم إليه.
وعن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان، وقال: 'هلموا إلى الغداء المبارك'.
ولقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم تأخير السحور، وفي هذا التأخير حِكَم غالية حيث يقول أهل الطب:
إن التأخير في السحور أفضل بكثير من تناوله مبكرًا، وذلك لأنه يقلل من إحساس المرء بالجوع والعطش، حيث إن الشعور بالجوع مرتبط أساسًا بفراغ المعدة من الطعام، وانخفاض نسبة السكر بالدم.
ومن المعلوم أن المعدة تصبح فارغة بعد ساعات قليلة من تناول الطعام، وتتوقف فترة إفراغ المعدة من الطعام على كميته ونوعيته, كذلك إذا هبط مستوى سكر الدم خلال ساعات بعد تناول الغداء فإن الإنسان يبدأ في الإحساس بشعور الجوع خلال ساعات قليلة، فإذا تسحر المرء متأخرًا فإنه تبعًا لذلك سوف يتأخر شعوره بالجوع والعكس صحيح.
كذلك الحال بالنسبة إلى إحساس الصائم بالعطش، فإن تأخر في تناول السحور مع شرب الماء أو بعض السوائل أو العصائر، فإن ذلك يعينه على عدم الإحساس بالعطش أو تأخر شعوره به، لاسيما في فصل الصيف حيث يزيد معدل فقد الجسم للماء بسبب زيادة إفراز العرق فمن علَّم محمدًا صلى الله عليه وسلم الأمين ذلك وأرسله رحمة للعالمين؟!
إحياء العشر الأواخر
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يبالغ في العبادة، لاسيما في العشر الأواخر طلبًا لالتماس ليلة القدر، وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يمسك بتلابيب الشهر في آخر عشرة منه, كالكريم عندما يتعلق بضيفه طالبًا منه عدم الرحيل حيث امتلأ البيت بركة بقدومه.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه يصلي في الليل وحده: روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: 'أما بعد, فإنه لم يخف عليّ مكانكم, ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها'.
فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر كذلك, وفي خلافة عمر رضي الله عنه رأى عمر أن يجمع الناس على إمام واحد وأنار المساجد بالمصابيح والتراويح.
العمرة في رمضان
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يرغِّب بالاعتمار في رمضان ويخبر أن عمرة في رمضان تعدل حجة معه وذلك بعد عودته من حجة الوداع.
يقول صلى الله عليه وسلم: 'عمرة في رمضان تعدل حجة' وفي رواية: 'تعدل حجة معي'.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان قلة السفر, وذلك لانصرافه إلى الصيام والقيام, وإن سافر فللجهاد, وفي كلٍ خير.
صوم اللسان
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه بضبط النفس وعدم الغضب أثناء الصيام. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم'.
وفي ذلك عبرة لمن اعتبر, يقول أهل الطب:
إذا اعترى الصائم غضب وانفعل وتوتر ازداد إفراز الأدرينالين في دمه زيادة كبيرة، وقد يصل إلى 20 أو 30 ضعفًا عن معدله العادي أثناء الغضب الشديد أو العراك، فإن حدث هذا في أول الصوم وأثناء فترة الهضم والامتصاص، اضطرب هضم الغذاء وامتصاصه، زيادة على الاضطراب العام في جميع أجهزة الجسم، ذلك لأن الأدرينالين يعمل على ارتخاء العضلات الملساء في الجهاز الهضمي ويقلل من تقلصات المرارة، ويعمل على تضييق الأوعية الدموية الطرفية وتوسيع الأوعية التاجية، كما يرفع الضغط الدموي الشرياني وغير ذلك.
وإن حدث الغضب والشجار في منتصف النهار أو آخره - أثناء فترة ما بعد الامتصاص - تحلل ما تبقى من مخزون الجلوكوز في الكبد وتحلل بروتين الجسم إلى أحماض أمينية، وتأكسد المزيد من الأحماض الدهنية كل ذلك يرفع مستوى الجلوكوز في الدم فيحترق ليمد الجسم بالطاقة اللازمة في الشجار والعراك, وبذلك تستهلك الطاقة بغير ترشيد.
وارتفاع الأدرينالين الناتج عن الغضب قد يؤدي لنوبات قلبية، أو موت الفجأة عند بعض الأشخاص المهيئين لذلك, وثبتت العلاقة بين ارتفاع الأدرينالين وبين تصلب الشرايين.
لهذا ولغيره مما عرف، ومما لم يعرف بعدُ، وصَّى النبي صلى الله عليه وسلم الصائم بالسكينة، وعدم الصخب والانفعال أو الدخول في عراك مع الآخرين.
وبعد, فهذا غيض من فيض, وقطرة من بحر المصطفى صلى الله عليه وسلم, وتذكرة لأمته التي راحت تبتعد عن هديه ـ إلا من رحم الله ـ فما أجمل أن نتنسم عبير هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى نحظى بالفوز في الدنيا والنجاة من النار يوم القيامة، فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، فإن لم يغفر لنا في رمضان فمتى وأين يغفر لنا؟!
اللهم سلم لنا رمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا متقبلاً اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
http://www.islammemo.cc/article1.aspx?id=4075

Wapher
del.icio.us